
هذه النظرية مصدرها قصة اسطورية بطلها الشاعر الإغريقي الشهير سيمونيدس (556-468 ق.م), وهو من أوائل الشعراء الذين استخدموا الشعر كمصدر للكسب من خلال نظم قصائد المديح في الأمراء و الملوك وأعيان الناس, ذات يوم تلقى الشاعر الكبير دعوة من الملك سكوباس, ملك (ثيساليا), وذلك لحضور حفل من الاحتفالات الكبيرة في القصر. وطبقاً لهذه الدعوة طلب من الشاعر سيمونيدس أن ينظم قصيدة لمدح الملك أمام المدعوين مقابل مبلغ كبير من المال, لبى سيمونيدس الدعوة في الحال, وفي الموعد المحدد ذهب إلى القصر مصطحباً معه الرقعة المكتوب عليها القصيدة, كان القصر ممتلئ عن أخره بالأمراء والفرسان وأثرياء القوم.
حينما رأى الملك الشاعر الكبير سيمونيدس أدناه من مجلسه وأمر الفرقة الموسيقى بالكف عن العزف وأمر الجواري ليتوقفن عن الرقص والغناء وذلك حتى يستمتع الجميع بقصيدة الشاعر العظيم, وبالفعل شرع سيمونيدس في إلقاء قصيدته.
كان من المفترض أن تكون القصيدة من أولها إلى أخرها في مديح الملك, إلا أن سيمونيدس قسم المديح بين الملك وبين (كاستور وبولُكس) وهما اثنين من ألهه روما المشهورين, فجاء نصف القصيدة الأول لتمجدهما والنصف الثاني خصص لمديح الملك, كان الملك يسمع الأبيات الأولى من القصيدة والغضب والضيق يملئان قسمات وجه, وبعد أن انتهى الشاعر الكبير من إلقاء القصيدة تقدم ناحية الملك وانحنى أمامه في انتظار أن يتعطف عليه بعطائه المتفق عليه, وكانت النتيجة المحزنة, فقد أعطاه الملك نصف المبلغ المتفق عليه وقال له هذا نظير الأبيات التي تخصني من القصيدة أم الباقي فاطلبه من الآلهة الذين مدحتهم..
أنفجر كل الحاضرين في الضحك وراح كل واحد من المدعوين يلقى بنكته ساخرة أو بعبارة تهكمية على ما صدر من سيمونيدس من قلة ذوق في حق الملك, شعر سيمونيدس بالخجل فانزوى في مكان بعيد من القاعة وجلس حزيناً منكسراً, ولم يرحمه من سخرية الناس وكلماتهم النابية إلا عندما أمر الملك الفرق الموسيقية بمعاودة العزف والغناء, وانشغل الحضور عن سيمونيدس بالجواري وهن يرقصن, وإلى المهرجين والعبيد وهم يأتون بغرائب الألعاب وعجائب الحركات.
كل من في القاعة كان يعيش في عالمه الخاص, منهم من كان يحتسي النبيذ, ومنهم من كان يجلس على المائدة الكبيرة يلتهم ما لذ وطاب من الوعول والخراف المشوية, الكل كان سعيداً مبتهجاً, معدا شخص واحد هو الذي كان يشعر بالحزن والخزي والانكسار, هذا الشخص هو سيمونيدس, فكر في أن يغادر القصر لكن الملك لم يأذن له بعد لذا كان عليه أن ينتظر الإذن وإلا سينال تقريع أخر من الملك, في هذه الأثناء أتاه جندي من الحرس وأخبره بأن فارسين يريدانه في حديقة القصر في أمر خطير, حينما سمع سيمونيدس ذلك أسرع خارج القصر ليستطلع الأمر.
بعد خروجه لم يجد أي أثر لفارس خارج القصر, فتعجب مما صدر من الحارس, فكيف يكذب عليه ويخبره أن هناك من ينتظره بالباب, هل إلى هذه الدرجة سقطت قيمة الشاعر الكبير, أحس سيمونيدس أن ما لاقاه من إهانة هذه الليلة يكفي بأن يجعله يعتزل الشعر والشعراء, وبينما هو واقف يفكر هكذا حدث شيء لم يكن في الحسبان, فقد إنهار القصر على كل من فيه وأمتلئ المكان بالغبار وسمع عويلاً وصراخاً في كل أنحاء المدينة, لم ينجو أحد من المدعوين سوى هذا الشاعر الذي أدرك في نهاية الأمر أن الفارسين الذين كان يسألان عنه ما هما إلا كاستور وبولوكس أبناء الآلهة, وقد اتوا لإنقاذه مكافئة له نظير تمجيده لهما في قصيدته.
بعد انهيار القصر بساعات ذهب أهالي الضحايا إلى المكان لرفع الأنقاض من أجل التعرف على جثث ذويهم, لكنهم لم يستطيعوا التعرف عليها نظراً لضياع معالمها وتناثر أشلائها في كل مكان, فطلبوا من الشاعر الكبير سيمونيدس أن يساعدهم في التعرف على الجثث كونه الناجي الوحيد في هذه الحادثة المروعة, راح سيمونيدس يتخيل حال القصر قبل الانهيار.
وفجأة وقفت جدران القصر من جديد وارتفعت الأعمدة مرة أخرى, وارتفعت الأحجار فوق بعضها البعض, وأستوى القصر كما كان, رسم سيمونيدس صورة كاملة للمكان في صورته الأولى قبل الانهيار, فهنا كان يجلس فلان وعند هذا العمود كان يقف فلان, وعلى المائدة كان يجلس فلان وبجواره جاريتين شقراوتين, وبجوار الملك كان يجلس فلان وفلان, ظل سيمونيدس يتذكر ويتذكر حتى جاوز عدد الأسماء التي تذكرها الألفين, ومن هذه اللحظة وضع سيمونيدس الأسس الأولى لنظريته التي طورت فيما بعد وعرفت بنظرية القصر.
كانت هذه القصة التي انبثقت منها النظرية ولمعرفة خطوات تطبيق هذه النظرية أدعوك لقراءة المقال التالي : خطوات تطبيق نظرية القصر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق