أخر المواضيع
recent

البيولوجيا الجديدة - عندما يلتقي العقل بالمادّة ج17

عندما يلتقي العقل بالمادّة ج17

لقد تمّ الكشف عن هذه الطريقة في بادئ الأمر في العام 1988، في هذه الصفحة من مجلّة "الطبيعة - Nature"، وهي المجلة التي تُعبّر عن التياّر العلمي التقليدي. 




والموضوع بعنوان "The Origin Of Mutants"، أي "أصل المُتحوّلات" للكاتب "جون كيرنس"، عالِم الوراثيّات البريطاني. (أرجو منكم قراءة هذا جيدا، لأنّها أحد أهمّ الأوراق في تاريخ البايولوجيا): 

قام العالٍم بأخذ "باكتيريا" مصابة بخلل في أحد إنزيماتها ويُدعى إنزيم "اللاّكتيز - Lactase"، وهو الإنزيم الذي يقوم بتفكيك سُكّر الحليب المعروف بسُكّر "اللاّكتوز - Lactose". وهذا الإنزيم ضروري للبكتيريا للحصول على الطاقة ومواد البناء، مُستفيدةً من سُكّر اللاّكتوز كمصدر غذائي مهمّ لعمليّة النمو والإنقسام. 

إذاً، فقد كانت البكتيريا التي أخذها العالِم، مُصابة بخلل في إنزيم اللاّكتيز، وهي بالتالي لن تتمكّن من الإستفادة من سُكر اللاّكتوز. ولكن عندما لا تجد البكتيريا ما تأكله، فإنّها لن تتمكّن من الإنقسام، وإذا لم تتمكّن من الإنقسام، فإنّها سوف لن تتمكّن من إعادة إنتاج الحمض النووي، وإعادة إنتاج الحمض النووي هي النقطة التي تحدث عندها التحوّلات الجينيّة. 

إذا، فقد توقّعنا أن لاشيء سيحدث (أي أنّ تلك البكتيريا لن تستطيع أن تفعل أي شيء) 
إلاّ أنّه، وبعد بضعة ايّام، كانت هنالك عدّة مُستعمَرات بكتيريّة تنمو داخل كلّ صحن من صحون الزراعة تلك! 


فكيف حدث ذلك؟ 

لقد كان الفهم العلمي التقليدي يقول، بأنّ تلك البكتيريا لن تتمكّن من الإنقسام، لأنّها لا تملك أي مصدرٍ للطاقة، وهي لن يمكنها بالتالي إحداث أي تغيير في حمضها النووي. 


فكيف تمكّنت تلك البكتيريا من تغيير حمضها النووي؟ 

عندما قام العالِم بالكشف على الحمض النووي لتلك البكتيريا، والتي كانت تفتقر لإنزيم اللاّكتيز، وجد أنّ تلك البكتيريا لم تقم بتغيير طاقم الجينات الخاص بها بكامله بشكلٍ "عشوائي"، وإنّما قامت فقط بتغيير الجينات المسئولة عن إنتاج إنزيم اللاّكتيز لديها، ودونما حاجة منها للقيام بعمليّة "إنقسام". 


إنّ تلك، هي آليّة جديدة كُلّيّاً، ومفهوم جديدٌ كُلّيّاً. 

وما يُلفت النظر في هذا الخصوص، هو مقالٌ إفتتاحي نُشر فى مجلّة "الطبيعة - Nature" البريطانيّة، عقب ظهور الورقة السابقة لِ"جون كيرنس"، والتي كانت بعنوان "أصل المُتحوّلات - The Origin Of Mutants". يقول كاتب تلك الإفتتاحيّة: 

((إنّ "جون كيرنس" هو عالِم وراثيّات جُزيئيّة متميّز، لقد سمعنا بأعماله منذ عدّة سنوات، إلاّ أنّنا نجد أنفسنا أمام مُشكلة مع هذه الورقة.")) 

أمّا عنوان الإفتتاحيّة ذاته في تلك المجلّة فقد كان "وحشٌ خرافي في الحديقة". 
لقد تمّ تداول ذلك الموضوع وكأنّه "نُكتة" بريطانيّة من النوع الخفيف على شاكلة "خيالات في جنّة عدن". أمّا هنا في الولايات المُتّحدة الأمريكيّة، وفي غُضون أسبوع واحد من ظهور ذلك الحَدث، قامت مجلّة "العلوم - Science"، وهي المجلّة الرئيسيّة للتيّار العلمي التقليدي، قامت بنشر إفتتاحيّة لها بعنوان "هرطقة في بايولوجيا التطوّر - A Heresy in Evolutionary Biology" كما فى الصورة أدناه: 



"The Generation of Genetic Mutation is a continuous and random process uninfluenced by external circumstances”. “Anything more heretical can hardly be imagined"
"التحوّلات الجينيّة هي عمليّات متواصلة وعشوائيّة لا تتأثّر بالظروف الخارجيّة." 
"يصعب تخيُّل أي شيء أكثر هرطقة من ذلك." 

فأي "هرطقةٍ" يقصدون؟ 

حسناً، إنّ ذلك من إختصاص المُتديّنين، وماهو مكتوب هناك، يُشبه "المُعتقدات الدينيّة" من حيث أنّه يقول: "التحوّلات الجينيّة هي عمليّات عشوائيّة متواصلة". ثم يمضي فيقول: "إنّ (كيرنس) يقول، بأنّ البكتيريا يمكنها إختيار التحوّلات التي يتوجّب عليها القيام بها". ثم يواصل المُحرّر قائلاً: "من الصعب تخيُّل أي شيء أكثر هرطقةً من هذا." 

فلماذا هم مُنزعجون إلى هذا الحد؟ والآن، أرجو منكم التفكّر في البُعد العميق لهذه الإجابة: 

إذا كان من الممكن للتحوّلات الجينيّة أن تحدث كنتيجة لعمليّة "التكيُّف"، فإنّ هذا يعني أنّ تلك التحوّلات ليست "عشوائيّةً" بالضرورة. وإذا لم تكن التحوّلات الجينيّة تحدث بشكلٍ "عشوائي"، فإنّ ذلك يعني أنّ "التطوّر" لم يكن حدَثاً عرَضيّاً. فنحنُ إذاً لم نأتِ هنا بمحض الصُدفة، وإنّما أتينا وفقاً لِ"برنامج". 

لقد أتينا هنا عن طريق عمليّتين مُتزامنتين من "الخَلق"، و"التطوّر"، وكانت الكائنات على الدوام، سابقة لعمليّة "التكيُّف" مع البيئة، وكانت "الإشارات" الصادرة عن البيئة، هي التي تقوم بِ"تشكيل" الكائنات. فالتطوّر إذاً، لم يكن حدَثاً عرَضيّاً مبنيّاً على "الصُدفة". 

حسناً إذاً. تعلمون بأنّنا تركنا أولئك المتديّنين الذين يرتدون معاطف سوداء، أمّا "المتديّنون" الجدُد، فهم يرتدون معاطف "بيضاء" خاصّة بالعمل في المُختبرات، وهم مع ذلك، يمارسون "ديانةً" مثل سائر الديانات. وخُلاصة الموضوع، هي أنّك إذا ما قمتَ بالتشكيك في "عقيدتهم"، فإنّهم سيقولون لك: "ماذا تقصد؟ إستشفاء عن طريق الطاقة؟ إنّ هذه هرطقة."! 

والحقيقة ليست كذلك، فهي ليست بهرطقة، إنّها "عُلوم". وهذه العلوم، متمسّكة بالحقيقة، خاصّة وأنّ صناعة الدواء، تُحاول جاهدةً التأثير علينا مُجدّداً، فقط لكونهم يبيعون لنا الكثير من الأشياء. 

أُنظروا، مالذي تقوله هذه الورقة .. (الصورة): 



أذكّركم أوّلاً بأن الورقة التي كتبها "كيرنس"، والتي كانت بعنوان "The Origin Of Mutants"، أي "أصل المُتحوّلات"، كانت قد ظهرت في العام 1988، أي قبل أكثر من 12 عاماً. أمّا الورفة التي فى الصورة أعلاه، فقد جاءت في مجلّة "Scientific American" في عام 1997، أي بعد 9 سنوات من ظهور ورقة "كيرنس". 

وسأقرأ عليكم ما تقوله هذ الورقة: 
(("التطوّر يتطوّر .. كشوفات جديدة تقول بأنّ التحوّلات الجينيّة، أكثر تعقيداً ممّا قد يعتقد أي شخص.")) 

لقد جاءت عبارة "كشوفات جديدة" في السطر الأوّل، وهى هنا تُشير إلى ما كان "جون كيرنس" كشف عنه قبل 9 سنوات من ذلك! تخيّلوا، "إكتشافات جديدة"، عمرها 9 سنوات! أين كان هؤلاء الناس طوال كلّ تلك المُدّة؟ 

والإجابة: لقد كان جهدهم مُنصبّاً طوال تلك الفترة على "تقويض" ما كان "جون كيرنس" قد توصّل إليه. وعندما نُشرت هذه الورقة في مجلّة "Scientific American"، لم يكن هؤلاء يريدون القول بأنّ "جون كيرنس" كان على صواب! 
لقد قالوا أنّهم لم يتمكّنوا من الوصول لأي تفسيرٍ آخر، وأنّهم كانوا لا يزالون يبحثون عن هكذا تفسير. وبينما بدا ما توصّل إليه "جون كيرنس" صحيحاً في نظرهم، إلاّ أنّهم لم يكونوا يريدون له أن يكون كذلك. 

أمّا الآنّ، وبعد مُضي بضع سنوات، فقد أصبح لدينا فهمٌ جديد بالكامل.. 
Grini

Grini

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.