
إنّ ما تُشاهدونه فى الصورة أدناه، هو خارطة تدفُّق "Flow Chart" قمتُ بنقلها عن مجلّة العلوم "Science".
![]() |
| خارطة التدفّق بالنسبة لمعلومات فترة ماقبل الدكتور "كيرنس" |
وهذه الخارطة توضّح أنّ الكائنات التي فى القمّة، تنضج ثم تتزاوج، ثم تُنتج بدائل أخرى عنها. فإذا قلنا مثلاً أنّ هنالك زوجاً من الكلاب (الكائنات) على قمّة الخارطة، ثم حدث تزاوجٌ بين ذلك الزوج، فإنّ الجراء الناتجة عن ذلك التزاوج هي عبارة عن "بدائل" لأبآئها.
فإذا حدث أن كان أحد الجراء في تلك المجموعة "قِزماً"، وكان هنالك جروٌ واحدٌ "عملاقاً"، فسيعني ذلك أنّ هنالك "مدىً" مُعيّناً لحدوث تغييرات بين حالة "القِزم" من جهة، و"العملاق" من الجهة الأخرى. وعندما يحين الوقت الذي يجب فيه على الجِراء مغادرة مجموعتها والخروج والدفاع عن حياتها، فماذا سيحدث للجرو الذي جاء "قِزماً"؟ هل سينجح في الإختبار؟
والإجابة: لا، سوف لن يتمكّن ذلك الجرو من البقاء، ولن يتمكّن من التنافُس. وما سيحدث عندها هو أنّ الطبيعة ستُباشر بعمليّة "الإنتقاء"، وسوف تختار من هو "أقوى" لأجل البقاء، وتبدأ بالتخلّص من العنصر "الأضعف"، وهذا هو المقصود بعمليّة "الإنتقاء"، أي "الإنتقاء الطبيعى".
ونتيجةً لذلك، ستبدأ الجِراء القادرة على البقاء والنُّضج، الدخول في دورة الحياة من جديد. إنّ جميع التغيُّرات، تحدث في مرحلة التكاثر، وهي المرحلة التي يُعتقد بأنّ التحوّلات التي تحدُث في الحمض النووي، تقع فيها.
أمّا الآن، فسوف أعرض عليكم خارطة التدفّق الجديدة، والتي بُنيت على الكشوفات التي توصّل إليها "جون كيرنس" (الصورة):
![]() |
| خارطة التدفّق الجديدة |
ولهذه الخارطة مدلولها الخاص: هل ترون البدائل الثلاث فيما بين "الكائن الحي" في أعلى الخارطة، و"الإنتقاء" في أسفلها؟ إذاً، هنالك "كائن حي"، ثمّ تليه ثلاث بدائل من ذات الكائن (جينات أيض الحمض النووي، بدائل الشفرة الجينيّة، بدائل الشكل الخارجي) ثم "الإنتقاء".
توضيح:
- بدائل الشكل الخارجي: الشكل الخارجى هو الشكل الطبيعي (الفيزيائي)
- بدائل الشفرة الجينية: الشفرة الجينيّة هي "الشفرة الوراثيّة" الموجودة بداخل الخليّة، وهي البرنامج الكامن من وراء تركيبة الكائن.
- جينات أيض الحمض النووي: والتي أصبح إسمها الآن "جينات الهندسة الوراثيّة"، وهو إسمٌ أكثر معقوليّة.
لقد وُجد أن كلّ نواة، وكلّ خليّة في جسمك، تحتوي على جيناتٍ مُهمّتها "إعادة كتابة الجينات التي تُواجَه بأوضاع تتّسم بالتوتّر".
فأنتَ إذاً، قادرٌ على إعادة كتابة جيناتك.
وهنا يوجد الجانب الأكثر أهميّةً، وهو جانبٌ لم يكن مُشاراً إليه في الخارطة القديمة، ولكنّه الآن موجود في الخارطة أعلاه: (أُنظر للصندوقين على يسار الصورة)
وهذا الجانب يتمثّل في "البيئة"، و"إدراك الكائن الحسّي بالبيئة".
فمالذي بوسع "البيئة" فعلُه"؟ إذا تابعتم الأسهم في الخارطة من الأسفل نحو الأعلى مروراً بالأرقام (6) و(5)، فسوف تدلّكم على ما يُمكن للبيئة أن تفعله. فالبيئة يُمكنها أن تدفع بجينات "الهندسة الوراثيّة" لديك، لكي تُعيد كتابة جينات أخرى من جيناتك. كما أنّ البيئة قادرةٌ على "تغيير شفرتك الوراثيّة".
وهنالك شيء مُهم: ماذا يُمكن لإدراك الكائن الحسّي بالبيئة أن يفعل؟ (الصورة)
الإدراك الحسّي للكائن بالبيئة، يُمكنه الدفع بإتّجاه إعادة كتابة جيناتِك (سهم رقم 4)، كما يُمكنه تعديل وظائفك الجسميّة، بحيث تُصبح تلك الوظائف، أكثر توافُقاً مع البيئة.
ولكن، ماهو المغزى من كلّ ذلك؟
حسناً. ف"البيئة" لم يكن منصوصاً عليها في البايولوجيا التقليديّة. أمّا الآن، فقد وُجد أنّ لها دوراً مُهمّاً جدّاً.
لقد ذكرنا فيما سبق، أنّ "الإدراك الحسّي" عبارة عن "إعتقاد". وأنّ الإدراك الحسّي يمكنه التأثير على الخلايا عن طريق "إعادة كتابة الجينات"، وبالتالي تغيير تركيبة الخلايا. فإذا كان لديك "إعتقاد" بوجود بيئة مشحونة بالتوتّر حولك، فإنّ إعتقادك هذا - أي إدراكك الحسّي - سيؤدّي لإعادة كتابة جيناتك، بحيث تتمكّن تلك الجينات من التعامل مع التوتّر، بغض النظر عمّا إذا كانت "البيئة المشحونة بالتوتّر" في هذه الحالة واقعاً حقيقيّاً، أم "وهماً". فالمُهمّ هنا هو "إعتقادُك".
وهناك أعضاء وأنسجة بعينها في الجسم، لها صلة وثيقة بالمُعتقدات.
وهناك كتاب رائع للكاتبة "لويس هاى – Luis Hay" بعنوان "بمقدورك تحقيق الشفاء فى حياتك – You can heal your life". وقد قامت الكاتبة بأبحاث عظيمة للكشف عن أنواع مُحدّدة من التوتّر، يُمكنها التأثير على أجزاء مُختلفة من جسمك. ومتى ما تعرّفتَ على الجزء من جسمك الذي يتأثّر بالتوتّر، فسيكون بمقدورك التعامل معه بواسطة فهم نوعيّة المشاعر التي تصدر عنك، عندما تكون في حالة التوتّر.
فالأعراض الصادرة عن جسمك، إنّما هي في الواقع جسمك ذاته، مُحاولاً التحدُّث إليك لإبلاغك بأنّك واقعٌ تحت وطأة التوتّر. إنّ جسمك يُحاول التحدُّث إليك بواسطة "أعراض"، وعليك القيام بمواجهة التوتّر، لأنّك إن لم تفعل، فستكون لديك مُشكلة حقيقيّة.
وهنا سأذكر نقطة مثيرة للإهتمام: فعندما نذهب لمراكز الرعاية الطبيّة التقليديّة، مالذي يفعلونه لعلاج الأعراض المَرَضيّة التي قد نشكو منها؟ إنّ ما يقومون به، هو أنّهم يُغَطّون عليها - بالمُسكّنات مثلاً - حتى لا نشعر بها مرةً أخرى.
عندما كنتُ أعمل فى مدرسة للخرّيجين، كنتُ أقوم بالعمل أيضاً في وكالة لبيع السيّارات للحصول على دخل إضافي. وفيما بعد الظهيرة من أيّام الجمعة، يكون المكان جاهزاً للإغلاق في الخامسة مساء، حيث يكون الجميع جاهزون للعودة لمنازلهم.
وفي واحدة من تلك الأمسيات، جاءت إلينا إمرأة، سبق وأن جاءت مرّتين من قبل. وقد حضرت تلك المرأة لأنّ ضوءاً صغيراً في طبلون سيّارتها إستمرّ في الوميض مُحذّراً من خلل في الماكينة، وهي بحاجة لصيانة عاجلة.
ثمّ انبرى لها أحد الميكانيكيين وقال لها: "يمكنني أن أصلح لك سيّارتك". ثم أخذ السيّارة نحو الباحة الخلفيّة للمبنى، وفتح السيّارة وزحف تحت الطبلون، ثم قام بنزع اللّمبة الصغيرة التي كانت مصدراً للوميض. ثم وبعد إنقضاء 20 إلى 30 دقيقة، عاد الرجل بالسيّارة وقال للمرأة: "هاهي، لقد أصلحتها". فقامت المرأة وقادت سيّارتها، وهي في غاية السعادة لكون "اللمبة" الملعونة تلك، لن تتسبّب لها بأي إزعاج جديد!
فالمشكلة هي أنّنا عندما نذهب للتخلّص من عوارض المرض، فإنّه يبدو وكأنّنا ننزع "اللّمبة" ونرمى بها بعيداً!. فأعراض المرض عبارة عن "معلومات" تـُخبرك بأنّ شيئاً ما ليس على ما يُرام. فإذا قمتّ بنزع تلك المعلومة عمّّّا يتّصل بها، فأنتَ بذلك تقول لجسمك: "لا، سوف لن أصغي إليك." ثمّ فكّر فيما سوف يفعله جسمك عندها. إنّه سيبحث عن طريقة أخرى، لكي يجلب بها المزيد من المعلومات إليك. إلاّ أنّها في المرّة القادمة، ستكون أخباراً أسوأ بكثير ممّا كانت فى السابق. فالأعراض هي عبارة عن "معلومات"، والهدف منها إخبارُك بأنّك في وضعٍ لا يتّسق مع جسدك.
وسوف أدلف هنا إلى جُزءٍ مُهمٍّ جدّاً بالنسبة لي، وهو يتعلّق بقانون "تقليدي" كنتُ تحدّثتُ عنه قى الجزء الأوّل من المُحاضرة، وهو القانون الذي يتناول "أوّليّة الحمض النووي" (الصورة أدناه).
![]() |
| أوّليّة الحمض النووي |
هنالك مفهومٌ تقليدي يقول بأنّ تدفُّق المعلومات يبدأ من "الحمض النووي"، ثمّ إلى "الحمض الريبي النووي"، ثمّ إلى "البروتين". ولكنّنا نعلم الآن، أنّ المعلومات تتحرّك أيضاً فى الإتّجاه المُعاكس، وكان "هاوارد تيمين" هو أوّل من إكتشف ذلك في العام 1960. فقد وضع "تيمين" إفتراضاً يقول بأنّه من المُمكن للحمض الريبي النووي (RNA) القيام بإعادة إرسال المعلومات إلى الحمض النووي (DNA)، فيما يُعرف بعمليّة "التدفّق العكسي" (أنظر الصورة أدناه). وعندها صاح فيه الجميع قائلين له "أنتَ مجنون"!، ثم ومرّةً أخرى، تمّ إعتباره "هرطقيّاً". فلماذا حدث ذلك؟
الإجابة: لأنّ التقليد "الديني" كان يقول بأنّ المعلومات لا تتدفّق إلاّ في إتّجاه واحد فقط (أي من الحمض النووي إلى الحمض الريبي النووي).
![]() |
| التدفّق العكسي |
ثمّ تقدّم "هاوارد تيمين" مُتحدّثاً عمّا أسماه "المنتسخة العكسيّة "Reverse Transcriptase"، وهو إنزيم يعمل على "عكس" الشفرة التي يحملها الحمض الريبي النووي (RNA)، بحيث يتحوّل إلى حمض نووي (DNA) مرّة أخرى. وهذه العمليّة، هي نفسها التي يُمارسُها فيروس "نقص المناعة المُكتسب "HIV". إنّ ذلك الإنزيم، هو إنزيمٌ موجودٌ بشكلٍ حقيقي.
وعلى الرغم من إطلاق ألقاب مثل "أبله"، أو "مجنون"، وما شابهها على "هاوارد تيمين"، إلاّ أنّه فاز بجائزة نوبل على ذلك الكشف الذي توصّل إليه.
لقد كان "جون كيرنس" هو من أوضح أنّ المعلومات تتدفّق من "البروتين"، لتعود مرّةً أخرى إلى "حمض ريبي نووي - RNA"، إلاّ أنّنا أصبحنا الآن نعلم بأنّ "الحمض الريبي النووي - RNA" ذاته، يعود مرّةً أخرى ليُصبح "حمضاً نوويّاً - DNA". كما قال أنّ بمقدور البروتين قراءة البيئة، وأنّ البيئة قادرةٌ على تعديل الحمض النووي، وهو ما أصبح حقيقةً معروفةً فى مضمار العلوم.





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق