أخر المواضيع
recent

البيولوجيا الجديدة - عندما يلتقي العقل بالمادّة ج19

البيولوجيا الجديدة - عندما يلتقي العقل بالمادّة ج19

فالمعلومات إذاً تتحرّك في إتّجاهين. 

ولكن، ما أهميّة هذه النقطة؟ 
عندما تذهب إمرأةٌ حُبلى لزيارة إختصاصي النساء والتوليد، ثم يقوم الإختصاصي بفحصها، فهو يحاول أن يعرف ما إذا كانت تتّبع نظاماً غذائيّا صحيحاً، وما إذا كانت تتناول ما يكفي من الفايتمينات والمعادن. ثم قد يقول لها "بإمكانك الإستمرار في حمل هذا الطفل، لأنّ لديك كلّ ماهو مطلوبٌ لذلك". 

ولكن، ماهو الدور الذي على الأم القيام به حسب المُعتقدات التقليديّة؟ 

فالطفل ينتج عن التقاء الحيمن بالبويضة. والإعتقاد التقليدي يقول بأنّ جميع "البرامج" الخاصّة بالطفل، موجودة في "الجينات"، وأنّ الأم وفقاً لذلك، لن تُقدّم شيئاً للطفل سوى الغذاء. وهذا هو السبب في إهتمام إختصاصي النساء والتوليد فقط بالجانب "الغذائي" من صحّة الأم. 

أمّا الأن، فنعلم بأنّ ذلك الإعتقاد لم يعُد صحيحاً. إنّنا الأن نعلم بأنّ البيئة قادرة على إحداث تعديل في الجينات. وما تمّ كشفُه الآن، هو أن الأم تُقدّم أيضاً "معلومات"، وأنّها قادرة بواسطة تلك المعلومات، على "التعديل" في جينات جنينها، وهي هنا ليست بمفردها، وإنّما تقوم به جنباً إلى جنب مع والد الطفل. ولذلك، عندما يحدث تغيير في "إدراك الأم الحسّي" بالبيئة، فإنّ ذلك التغيير يحدث بالمشاركة مع الزوج - أي والد الطفل - وهي الطريقة التي بها يؤثّر الآباء في أبنائهم. 

لقد سبق أن تحدّثنا عن أنّ "الجينات" ليست قادرة على "إنتقاء" ذاتها بذاتها، وعن أنّ "الإدراك الحسّي" بالبيئة، هو الذي يقوم بعمليّة "الإنتقاء" تلك. ولكن، أي "بيئة" يُمكن للجنين "إدراكُها حِسّياً" بينما لا يزال فى بطن أمّه؟ 

والإجابة: إنّ تلك البيئة هي بيئة "الأم". فالجنين يتلقّى غذاءه عبر دم الأم، والذي يحتوي على ذلك الغذاء. ولكن، مالأشياء الأخرى التي يحتوي عليها دم الأم؟ 

إنّه يحتوي على كلّ الهورمونات والجُزيئات التي تعمل على تنظيم وظائف جسم الأم، بحيث يتوافق مع البيئة من حولها (حسب الإدراك الحسّي للأم بتلك البيئة). والمهمّ هنا هو أنّ الجنين قادرٌ على قراءة كلّ ما يصل إليه وهو لايزال فى رحم أمّه، وهو يتوائم مع البيئة التي تُدركها أمّه بأدواتها الحسيّة. 

ووفقاً للذكاء الذي تتميّز به الطبيعة، فإنّ أيّاً من الحيمن أو البويضة، لا يحمل أي طابع مُحدّد بشكلٍ مُسبق، عند إلتقائهما لأوّل مرّة. 

ولكن، يبقى هنالك فرقٌ بين إلتقاء الحيمن بالبويضة في منطقة بوسط إفريقيا، وبين إلتقائهما في وسط شيكاغو، لأنّ هاتين البيئتين، تختلفان إختلافاً كبيراً، ما يعني أنّ كلاًّ من الطفلين، سيتكيّف بطريقة مختلفة. 



إنّ على الطفل أن يبدأ بالتكيُّف قبل أن تتمّ ولادته. وقد وضح أنّ الأم تُمثّل البرنامج المُفضّل بالنسبة للطبيعة، لكونها تُساعد الطفل على إنتقاء الجينات اللاّزمة لبقائه في البيئة التي سيولد فيها، وهي ذات البيئة التي تُدركها أمّه بحواسّها قبل أن يولد فيها. لقد أخذت الطبيعة بإحساس الأم بالبيئة، وعبرت به المشيمة، ما جعل الإدراك الحسّي للأم، هو ذاته الإدراك الحسّي للطفل. 

وهنا موضوعٌ نُشر فى مجلّة "نيوزويك - Newsweek" العام الماضي، جاء فيه: "أين تبدأ الصحّة .. السمنة، والسرطان، والأزمات القلبيّة، وكيف أنّ تلك الإحتمالات بالنسبة لك، قد سبق حسمُها مُسبقاً داخل الرحم". 



(Where Health Begins) 
(Obesity, Cancer, and Heart Disease. Now Your Odds Are Set in The Womb) 

لقد ظهر هذا الفهم الجديد في العَلن، وهو يتّفق مع ما كنتُ أحاول قوله لكم، وهو أنّ جينات الطفل يتمّ إنتقاؤها بشكل ديناميكي، وفقاُ للإدراك الحسّي لأمّه بالبيئة. وأهميّة هذا الشكل من "الإنتقاء" تتمثّل في أنّها تسمح للطفل، بالتكيُّف بسرعة مع البيئة التي تعيش فيها أمُّه. 

ومع أنّ كل ما يتمّ إدراكه حِسيّاً هو عبارة عن "إعتقاد"، وأنّ أي إعتقاد ليس بالضرورة صحيحاً، إلاّ أنّه مع ذلك، يُصبح الإدراك الحسّي للأبوين، آليّة من آليّات الإنتقاء الوراثي. إنّ الأبوين من هذا المنظور، هما "مُهندسان جينيّان"، من حيث دورهما في إنتقاء الجينات بالنسبة لطفلهما. 

ولكن، ما مدى تأثير ذلك على الطفل؟ 

حسناً، إنتبهوا الآن لهذه النقطة، قبل أن أعرض عليكم الشريحة التالية: لقد ذكرنا فيما سبق، أنّ البيئة عندما تكون مليئةً بالمُهدّدات، فسيقوم الجسم بتنشيط نظام "الحماية" فيه. أمّا عندما تكون البيئةُ بيئةً أمنةً، فسوف يتمّ تنشيط منظومة "النمو" في الجسم. 

وفي الجنين، تعتمد الأعضاء والأنظمة في نموّها على كميّة الدم التي يتلقّاها الجنين، وكلّما كانت كميّة الدم الواصلة للجنين أكبر، كانت فرصته في النمو أفضل. 

والآن أُنظروا لهذه الشريحة: 


جينات الدماغ أفضل من جينات العضلات بالنسبة للأم في الفئران
جينات الدماغ أفضل من جينات العضلات بالنسبة للأم في الفئران

وهذان فأران مُتطابقان "جينيّاً"، إلاّ أنّ تنشئتهما تمّت فى بيئتين مختلفتين (الصورة أدناه): 


فأران مُتطابقان جينيّا، ولكن نشأ كلّ واحدٍ منهما فى بيئة مختلفة
فأران مُتطابقان جينيّا، ولكن نشأ كلّ واحدٍ منهما فى بيئة مختلفة


فماذا حدث لهما بعد أن تمّت تنشأتُهما في بيئتين مختلفتين؟ 
إنّهما لم يعودا مُتشابهين كما كانا من قبل، حيث كان كلّ واحد منهما وكأنّه نُسخة عن الآخر. فمالفرق بينهما الآن؟  وهل يُمكنكم التخمين بأي منهما نشأ في بيئة تستدعي "الحماية"، وأي منهما نشأ في بيئة تدعم "النمو"؟ 
لقد نشأ الفأر على يمين الصورة، في بيئة تستدعي "الحماية". ولكن كيف ذلك؟ (فكّروا فى إجابة).

فلنعُد إلى الوراء: هل تذكرون "المحور الوطائي-النخامي- الكظري" أو "The Hypothalamic-Pituitary-Adrenal Axis"، والمعروف إختصاراً بِ "HPA"؟ 
إلى أين يتدفّق الدم بشكلٍ تفضيلي عندما يكون الجسم تحت وطأة التوتّر؟ إنّ الدم يتدفّق في هذه الحالة في إتّجاه العظام والعضلات، مبتعداّ عن الأجهزة الأحشائيّة. 

أُنظروا الأن لجسم الفأر على يمين الصورة، ثمّ انظروا لجسم الفأر الذي على اليسار. 
ولكون الفأر الذي على يمين الصورة نشأ في بيئة "متوتّرة"، فقد تدفّق الدم بصورة أكبر نحو عضلاته، لماذا؟ لأنّ هذا الفأر "الطفل" يستعدّ الآن للخروج في وضعيّة "القتال أو الهرَب". 

ولقد ذكرنا من قبل، أنّ الدماغ الخلفي في حالة التوتّر، يحصل على قدْرٍ أكبر من الدم، من الدماغ الأمامى، الذي يحصل على قدْرٍ أقل. 

وما حدث في الفأر على يمين الصورة، هو أنّ دماغه الخلفي، تطوّر على حساب دماغه الأمامي. فهو إذاً فأرٌ "رياضي"، ذو عضلاتٍ قويّة، كما أنّه يتميّز بردود فعل "إنعكاسيّة" قويّة، ولكن كلّ هذا يحدث على حساب "ذكائه". 

لقد ثبُت أنّ 40% إلى 50% من مُعدّل الذكاء المُمكن حدوثه لدى أي طفل - وهو ما يُسمّى Potential IQ - يعتمد على الإدراك الحسّي لأمّه أثناء فترة الحمل. 

وهذا يدفعنا لأن نقول: أُنظروا للطريقة التي نُنشئ بها أطفالنا اليوم، أُنظروا للآباء في المناطق الداخليّة في المدن. أُنظروا للآباء العُزّاب الذين لا يدرون ما إذا كانوا سيقدرون على تأمين لقمة العيش لأنفسهم ولأطفالهم. إنّ هؤلاء الآباء يرزحون تحت وطأة توتّرٍ عالٍ، ما يؤدّي لإرتفاع مستوى هورمونات التوتّر لديهم. وفي حالة الأمّهات، فإنّ تلك الهورمونات ستعبُر المشيمة، وتُحدِثُ تأثيراً على الطفل، وستحدُثُ عمليّة "إنتقاء" لتلك الجينات التي تؤثّر على نموّ الطفل وتطوّره. وقد رأيتم في الموضوع الذي نشرته مجلّة "نيوز ويك - Newsweek"، كيف أنّ ذلك من شأنه إنتقاء جينات قد يؤدّى تنشيطها لحدوث السرطان والسمنة وأمراض القلب، وهي أمراض يُعزى السبب فيها الآن، لتأثيرات البيئة في مرحلة ما قبل الولادة. 

إنّ الدور المنوط بالآباء والأمّهات، له أهمّيّة بالغة في التطوّر البشري على ظهر هذا الكوكب. وهذا ما يُطلق عليه لفظ "الأبُوّة الواعية". فعندما نعيشُ في حالةٍ من "اللاّوعي"، فإنّنا في الغالب، سننجب "رياضيين" أو "مُحاربي شوارع". وأبناء مثل هؤلاء، سيتوجّب عليهم العيش ليس من خلال "أدمغتهم"، وإنّما بواسطة "عضلاتهم". ونحنُ الآن نعيش في عالم نُلاحظ فيه تدنّياً في مستويات الذكاء في السُّكان، عاماً بعد عام، كما نشهد فيه تراجُعاً في مستوى الذكاء هنا في أميريكا. فماهي الأسباب الرئيسة لذلك؟ 

والإجابة: لأنّنا لم نكن منتبهين لحقيقة مفادُها، أنّ الطفل قد سبق وتمّت برمجتُه "جينيّا" داخل رحم أمّه، بواسطة "الإدراك الحسّي" لأمّه بالبيئة. 

إنّ هذا ليُثير الإهتمام بدرجة كبيرة. 

وهنالك موضوع نُشر حديثاً فى مجلّة "العلوم - Science"، عنوانه: "الإرسال بدون حاجة للجينوم"، وهو يعني "الإرسال دون الحاجة لطاقم الجينات - أي: المورّثات، أو الصبغيّات". (الصورة أدناه): 
 
الإرسال "اللاّجيني" لسلوك الأم عبر الأجيال، والإستجابة للتوتّر في الفئران
الإرسال "اللاّجيني" لسلوك الأم عبر الأجيال، والإستجابة للتوتّر في الفئران


وخلاصة الموضوع هي: "عندما تبدأ الأم بتنشئة طفلها، فإن هذا الطفل، ومنذ مرحلة ولادته المبكّرة، يبدأ في تعلّم الكيفيّة التي يُنشئُ بها طفله الخاص به لاحقاً". 

وهذا يعني أنّ الطفل عندما يكبُر، فإنّه سيُنشئُ طفله بنفس الطريقة التي تمّت تنشأتُه بها هو ذاته. 

إذا، فعندما نقوم نحن بتنشأة طفل، فإنّنا لا نعمل على تنشأة الجيل التالي لنا فحسب، وإنّما سيمتدّ ذلك ليؤثّر فى الجيل التالي لذلك الطفل، لأنّ طفلنا سيُنشئ طفله بذات الطريقة التي أُنشئ هو ذاته بها، وهذا الأمر، لاعلاقة له بالجينات. 

وفيما يلي إقتباس من نفس الموضوع: "لقد تمّ الكشف عن أنّ البيئة قادرة على إحداث فروقات سلوكيّة، وفروقاتٍ في الأنماط الجينيّة المتعلّقة بالتوتّر، وهي الأنماط التي تُنقل للجيل التالي. وهذا يعني، أنّ الطريقة التي تحيا بها اليوم، ستؤثّر على السلوك الجيني لأطفالك غداً". 

وتتمثّل أهميّة تلك النقطة، في كوننا نُفاجأ الآن بمدى جهلنا بما كُنّا نفعله، وأنّ علينا البدء بتنشأة جيل نستطيع التعايش معه، وليس جيلاً يقوم بقتلنا في نهاية المطاف، بسبب الكمّ العدواني المتراكم، والمرتبط بشكلٍ خاص، بالجينات ذات العلاقة بالتوتّر. إنّ العُنف، هو أحد الطرق الأساسيّة لردّ الفعل في حالة التوتّر. 
Grini

Grini

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.